الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
72
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كما قال : وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ [ محمد : 4 ] . ولا حاجة إلى تقدير مضاف بين تَنْصُرُوا واسم الجلالة تقديره : دين اللّه ، لأنه يقال : نصر فلان فلانا ، إذا نصر ذويه وهو غير حاضر . وجيء في الشرط بحرف إِنْ الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة الشرط وشدته ليجعل المطلوب به كالذي يشك في وفائه به . وتثبيت الأقدام : تمثيل لليقين وعدم الوهن بحالة من ثبتت قدمه في الأرض فلم يزل ، فإن الزلل وهن يسقط صاحبه ، ولذلك يمثّل الانهزام والخيبة والخطأ بزلل القدم قال تعالى : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها [ النحل : 94 ] . [ 8 ، 9 ] [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ( 8 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 9 ) هذا مقابل قوله : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 4 ] فإن المقاتلين في سبيل اللّه هم المؤمنون ، فهذا عطف على جملة وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ محمد : 4 ] الآية . والتعس : الشقاء ويطلق على عدة معان : الهلاك ، والخيبة ، والانحطاط ، والسقوط ، وهي معان تحوم حول الشقاء ، وقد كثر أن يقال : تعسا له ، للعاثر البغيض ، أي سقوطا وخرورا لا نهوض منه . ويقابله قولهم للعاثر : لعا له ، أي ارتفاعا ، قال الأعشى : بذات لوث عفرناة إذا عثرت * فالتعس أولى لها من أن أقول لعا وفي حديث الإفك : فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح لأن العثار تعس . ومن بدائع القرآن وقوع فَتَعْساً لَهُمْ في جانب الكفار في مقابلة قوله للمؤمنين : وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [ محمد : 7 ] . والفعل من التعس يجيء من باب منع وباب سمع ، وفي « القاموس » إذا خاطبت قلت : تعست كمنع ، وإذا حكيت قلت : تعس كسمع . وانتصب فَتَعْساً على المفعول المطلق بدلا من فعله . والتقدير : فتعسوا تعسهم ، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله مثل تبّا له ، وويحا له . وقصد من الإضافة اختصاص التعس بهم ، ثم أدخلت على الفاعل لام التبيين فصار فَتَعْساً لَهُمْ . والمجرور متعلق